الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

47

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثم تشير إلى واحدة من النعم المعنوية المهمة ، فتقول : وواعدناكم جانب الطور الأيمن ، وهذه إشارة إلى حادثة ذهاب موسى ( عليه السلام ) مع جماعة من بني إسرائيل إلى مكان ميعادهم في الطور ، ففي ذلك المكان أنزل الله سبحانه ألواح التوراة على موسى وكلمه ، وشاهدوا جميعا تجلي الله سبحانه ( 1 ) . وأخيرا أشارت إلى نعمة مادية مهمة من نعم الله الخاصة ببني إسرائيل ، فتقول : ونزلنا عليكم المن والسلوى ففي تلك الصحراء كنتم حيارى ، ولم يكن عندكم شئ من الطعام المناسب ، فأدرككم لطف الله ، ورزقكم من الطعام الطيب اللذيذ ما كنتم بأمس الحاجة إليه . وللمفسرين بحوث كثيرة فيما هو المراد من ( المن والسلوى ) ، بيناها في ذيل الآية ( 57 ) من سورة البقرة ، بعد ذكر آراء المفسرين الآخرين وقلنا : إنه ليس من البعيد أن يكون " المن " نوعا من العسل الطبيعي كان موجودا في الجبال المجاورة لتلك الصحراء ، أو نوعا من السكريات المولدة للطاقة من نباتات خاصة كانت تنمو في أطراف تلك الصحراء . والسلوى نوع من الطيور المحللة اللحم شبيها بالحمام . ولمزيد التوضيح راجع تفسير الآية ( 57 ) من سورة البقرة . ثم تخاطبهم الآية التالية بعد ذكر هذه النعم الثلاث العظيمة ، فتقول كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه . الطغيان في النعمة هو أن يتخذ الإنسان هذه النعم وسيلة للذنب والجحود والكفران والتمرد والعصيان ، بدل أن يستغلها في طاعة الله وسعادته ، تماما كما فعل بنو إسرائيل حيث تمتعوا بكل هذه النعم ثم ساروا في طريق الكفر والطغيان والمعصية . ولذلك حذرتهم الآية بعد ذلك فقالت : فيحل عليكم غضبي ومن يحلل

--> 1 - الشرح المفصل لهذه الحادثة في سورة الأعراف ذيل الآيتين 155 - 156 .